الشوكاني

448

فتح القدير

أقسم سبحانه بهذه الأمور ، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته ، وقال قوم : إن القسم بهذه الأمور ونحوها مما تقدم ومما سيأتي هو على حذف مضاف : أي ( و ) رب ( الشمس ) ورب القمر ، وهكذا سائرها ، ولا ملجئ إلى هذا ولا موجب له ، وقوله ( وضحاها ) هو قسم ثان قال مجاهد : وضحاها : أي ضوئها وإشراقها ، وأضاف الضحى إلى الشمس لأنه إنما يكون عند ارتفاعها ، وكذا قال الكلبي . وقال قتادة : ضحاها نهارها كله . قال الفراء : الضحى هو النهار . وقال المبرد : أصل الضحى الصبح ، وهو نور الشمس ، قال أبو الهيثم : الضحى نقيض الظل ، وهو نور الشمس على وجه الأرض ، وأصله الضحى فاستثقلوا الياء فقلبوها ألفا . قيل والمعروف عند العرب أن الضحى إذا طلعت الشمس وبعيد ذلك قليلا ، فإذا زاد فهو الضحاء بالمد . قال المبرد : الضحى والضحوة مشتقان من الضح وهو النور ، فأبذلت الألف والواو من الحاء . واختلف في جواب القسم ماذا هو ؟ فقيل هو قوله ( قد أفلح من زكاها ) قاله الزجاج وغيره . قال الزجاج : وحذفت اللام ، لأن الكلام قد طال ، فصار طوله عوضا منها ، وقيل الجواب محذوف : أي والشمس ، وكذا لتبعثن ، وقيل تقديره : ليدمدمن الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحا ، وأما ( قد أفلح من زكاها ) فكلام تابع لقوله ( فألهمها فجورها وتقواها ) على سبيل الاستطراد ، وليس من جواب القسم في شئ ، وقيل هو على التقديم والتأخير بغير حذف ، والمعنى : قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها والشمس وضحاها ، والأول أولى ( والقمر إذا تلاها ) أي تبعها ، وذلك بأن طلع بعد غروبها ، يقال تلا يتلو تلوا : إذا تبع . قال المفسرون : وذلك في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور . قال الزجاج : تلاها حين استدار ، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور ، يعني إذا كمل ضوءه فصار تابعا للشمس في الإنارة ، يعني كان مثلها في الإضاءة ، وذلك في الليالي البيض . وقيل إذا تلا طلوعه طلوعها . قال قتادة : إن ذلك ليلة الهلال إذا سقطت رؤي الهلال . قال ابن زيد : إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر تلاها القمر بالطلوع ، وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب ، وقال الفراء تلاها أخذ منها : يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس ( والنهار إذا جلاها ) أي جلى الشمس ، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الانجلاء ، فكأنه جلاها مع أنها الذي تبسطه . وقيل الضمير عائد إلى الظلمة : أي جلى الظلمة ، وإن لم يجر للظلمة ذكر لأن المعنى معروف . قال الفراء : كما تقول أصبحت باردة : أي أصبحت غداتنا باردة ، والأول أولى . ومنه قول قيس بن الحطيم : تجلت لنا كالشمس تحت غمامة * بدا حاجب منها وضنت بحاجب وقيل المعنى : جلى ما في الأرض من الحيوانات وغيرها بعد أن كانت مستترة في الليل ، وقيل جلى الدنيا وقيل جلى الأرض ( والليل إذا يغشاها ) أي يغشى الشمس فيذهب بضوئها فتغيب وتظلم الآفاق ، وقيل يغشى الآفاق . وقيل الأرض ، وإن لم يجر لهما ذكر لأن ذلك معروف ، والأول أولى ( والسماء وما بناها ) يجوز أن تكون ما مصدرية أي والسماء وبنيانها ، ويجوز أن تكون موصولة : أي والذي بناها ، وإيثار " ما " على من لإرادة الوصفية